على الإنسان أنْ يتوقَّف عن عبادةِ الأصنام ، حتَّى لو كانت تماثيلَ للحرِّية !
| ► | يناير 2012 | ◄ | ||||
| سبت | أحد | إثنين | ثلاثاء | أربعاء | خميس | جمعة |
| 1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | |
| 7 | 8 | 9 | 10 | 11 | 12 | 13 |
| 14 | 15 | 16 | 17 | 18 | 19 | 20 |
| 21 | 22 | 23 | 24 | 25 | 26 | 27 |
| 28 | 29 | 30 | 31 | |||

ـــــــــــ
كل برامج المواطن الليبي مؤجلة .. ؛ فهو يعيش حالة من الإنتظار منذ سنين طويلة .. ؛ ففي كل يوم يعيشه ؛ ينتظر غدَه .
ينتظر مزرعة من أمانة الزراعة .. وبيتا من أمانة المرافق .. وقرضا .. وسلفة .. وسيارة .. وأثاثا .. وأجهزة كهربائية .. وكلَّ شيء ؛ إنه ينتظِر الوظيفة ، ودورَهُ في العلاج بالخارج ، وحتى مولوده القادم ينتظره قلِقاً من نزوله في مصحاتنا الشعبية حيا أو ميتا أو بين هذا وذاك ! .
إنه ينتظِر حصتَه من نفط بلاده ، وينتظرالديمقراطيةَ والحريات والعدالة والمساواة وحقوق الإنسان والصحافة المستقلة .. ؛
.. وهو أيضا ينتظر ( ليبيا الغد ) وينتظر حتى ( الجماهيرية العربية الليبية الشعبية الإشتراكية العظمى الغد ) بنفس الرغبه والقدرة على الإنتظار .
إنه ينتظر الغِنَى ، وزيادة مرتبه ، كما ينتظر أكياسَ الأسمنت والحديدَ والخشب ، وينتظر مصرف الإدخار ليمنحه قرضا أقسم أنه لن يمنحه ! .. ؛
ينتظر رؤية بلادِه خضراء ! .. ، وينتظر الربيعَ الذي لم يستمتع به يوما ! .
المواطن الليبي ينتظر دوره في العيادة والمستشفى والمصحة وغرفة العمليات ، وحتى عامل الكهرباء ليعيد النور إلى بيته .
لقد ذهب عمره ، كلَّه ، في الإنتظار ؛ فهو ينتظر الحصولَ على قطعة أرض ، وبناءَها ، وتجديدَ سيارتِه العتيقة وأثاثِ بيته الذي تصدَّعَ هو والبيت على حد سواء .
إنه ينتظر نجاحَ أبنائه في مدارسَ بلا مدرسين ، وشفاءَهم في مستشفياتٍ مُعاقة ، وترييضَهم في أندية أشبه بالثكنات العسكرية .. ؛
.. ينتظر إصلاحَ الطرقِ والأحوال ، ووصولَ المياهِ العذبة إلى باب بيته .
وبين كل قائمة انتظارات وقائمة أخرى ينتظر التعيين ؛ له ، ولأولاده ، ولبناته ! ( وهو حكاية ! ) . وينتظر ترقيته التي تأخرت سنينا ليعيشَ مستورًا مثل باقي الخلق المستورين .
المواطن الليبي ينتظر إصدارَ جواز سفره ، وبطاقته الشخصية ، ورقمه الوطني ، ورقم معاش تقاعده أو شيخوخته ، وينتظر أحكامَ المحاكم ، ( وما أدراك ما أحكام المحاكم ! ) .. ؛
.. ينتظر صدورَها وتنفيذَها واحترامَها وحمايتَها ! .
ينتظر الإجازة ولا يتمتع بها .. ينتظر الفرصة ولا ينالها .. ينتظر الترقية ولا تمنح له ، وينتظر كل شيء ولا يتحصّل على
كنت كل يوم أجلس بمقهى فندق ( ك ) بالقاهرة لأطالع إصدارات الصحف الورقية والإلكترونية . ولكن ما إن هممت اليوم الإثنين 18 أكتوبر 2010 بدخول المقهى حتى فوجئت بسيارات الأمن متراكمة دونما انتظام أمام المقهى وبجوارها عناصر كثيرة من رجال الأمن الراجلة والراكبة . لم أعِ السبب ، ورغم ذلك لم أتردد في دخول المقهى الذي اعتدت ارتياده كل يوم خلال مدة إقامتي بالقاهرة .
الدكتاتور العربيّ لا يعرفُ الحِكمة ، لأنّ رأسَه لا تهدأ .
الدكتاتور العربيّ ليس مفكرا ولا فيلسوفا ولا مصلحا ولا صالحا ، بل ولا حتى زنديقا أو كافرا أو مجنونا .. ؛
إنه روحٌ شريرة تسكنها روحٌ شريرة أخرى ! .. ؛
فهو ، في عين نفسه ، كائنٌ قويّ ، مُهلِك ، مُبهِر ، ملهَمٌ من الفضاء ، يرى نفسَه حكيما أو نبيا أو حتى إلها .. ، أما في عين الحقيقة ، فالدكتاتورُ العربيّ هالِكٌ مظلِم ، لا مثل أعلى له إلا شَرَّه ! ؛
إنه العدوُ الأولُ للرغيف والحبّ والحرّية ! .. ،
.. والساحرُ الوحيد ـ على الأرض ـ القادرُ على أن يجعلَ الملايين معلقين بين الحياة والموت .
فهل يَخلق الدكتاتورُ العربيّ نفسَه ؟ .. ، هل كان الدكتاتورُ العربيّ في طفولته مشروعَ دكتاتور .. أم أنه صُنِعَ قَدْرَ أشواقِ العرب وذكائهم وتقواهم وطاقاتهم ؟ .
* *
الدكتاتور العربيّ لا يولد بكاريزما دكتاتور ، لا يولد بصِبْغِيَّات الدكتاتور ؛ .. فهو لم يكن في طفولته مشرَّدا ، مجرما ، آكلا للحَيَّات .
الدكتاتور العربيّ ، ببساطة ، لا يُخلَق .. ؛
إنّ شعوبَنا بأعيانِها ، وشيوخها ، وعلمائها ، وكتّابها ، وفنانيها ، هي من يصنعُ الدكتاتور ؛.. من يُهدي إلى الدكتاتور كاريزما الدكتاتور ؛
فهؤلاء هم الذين يصُوغون دكتاتورَهم المَحَلِّي ، .. يجمِّلون قبحه ، وينفخون نحالته ، ويضخِّمون ضآلته .. ، ويتغزلون حتى في قِصر قامته بمفردات الطولِ والبعد والارتفاعات العصيّة الشاهقة ! .
فأيُّ شيءٍ يشغلهم عن التغنِّي بجرائمه ، وقد تسلحوا بلغتهم العربية ، التي تقلب السقوطَ المُخزي إلى تحليقٍ عالٍ مُبهِرٍ مُعجِز ؟! .. ؛
ما أكذبَ لغةَ العرب وموسيقاهم وطبولَهم ! .
.. إنَّ التاريخ ، لم يعرفْ شيئا شغلَ العرب عن الغناء لجرائم حكامهم المستبدين ، .. لا العلم ولا المعرفة ولا التنوير ، .. ولا حتى العبادة والاستغفار ! .
فكيف ، إذن ، يحكم الدكتاتورُ العربي شعبه .. , كيف يرد الجميل لشعبه ؟ .
* *
الدكتاتور العربي لا يحكم ، لأنه لم يتعلم كيف يحكم ، إنه يتواجد ، يبقى ، يظهر ، يطلّ .. ؛ إنه ، فقط ، يذكِّر شعبه بوجوده ؛
فهو لا يُعلِّم شعبَه ، ولا يغذيه ، ولا يرعاه .. ؛ إنه يكره شعبه ، ولا ينفق حتى على جنودِه ! …. أما دولته ـ التي هي مجرد عَلمٍ ، ونشيدٍ شخصي ، وقوانينَ تنظم أشياءَ غير موجودة ـ فهي أرضٌ جَرَّ عليها الشؤمَ ؛
.. أرضٌ يحكمها الراديو والتلفزيون والصحفُ التي يمتلكها الدكتاتور ! .. ؛ فلا مؤسساتٌ ولا حقوق ولا عدل ولا مستشارون ! .
الدكتاتور العربي لا يَحكم .. ، لا يحكم أبدا ! .. ؛ إنه ، فقط ، يتبادل الصراخ مع الجموع التي لا يدعوها إلا ليصرخَ في وجهها ، ولم تتهيَّأ وتجئْ إلا للصراخ في وجهه .. ؛
.. وكأنَّ كلماتِه لم تخلقْ إلا لآذانهم ، وأُذُنَيه لم تخلقا إلا لكلماتهم ! .
.. فالحاكم والشعب يتبادلان الصراخ كما يتبادل اللاعبان الماهران ضرب الكرة الصفراء ؛ .. إنها لذة متبادلة في الصراخ والصراخ المضاد ! ؛
ورغم هذا الانسجام والتَّوَحُّد ، فإن الدكتاتور العربي لا يحبُّ شعبَه ؛ .. إنه يسبُّهُم ويشتمهم حتى وهو يبتسم إليهم ! ، .. يدعو لهم بلسانه بينما يتمنى لهم الموتَ والسقوط بأفكارِه وضميره وأمانيه ووسوَساته .
أين أعذبُ الأوتار ، والنِّساءُ الأقمار .. ، مِن بساتينِها الزَّاهرة ، ونجومها السَّاهرة ، وسِحرِ ضِحكتِها وتجنِّيها ، وخُطوتِها وتثنِّيها !؟
ــــــــــــ
حدَّثني الصَّابرُ الغابِر ، ذُو الْحظِّ العاثر ، قال : زرتُ يوماً أحدَ أصحابي ، وهو أعزُّ أحبابي ، وكان عنده مديرُ إسكان ، وبعضُ الخلاَّن ، فلم يكد يعرفني عليهم ، ويُقدمني إليهم ، حتى طَفِق المديرُ يحدثني عن وظيفتِه ، ونبوغِه وإدارته ؛ فتقافزت غزلانُ أعاجيبه ، وتسابقت خيولُ أكاذيبه ، وبعد أن قال ما قال ، وصالَ وجال ، وملأَ الليلَ بِأَقمارِه ، والسَّماءَ بِأَنوارِه .. ، قال لي : سأمنحُك شقَّة ! ، فإذا بي أنفجرُ أمام الحاضرين كالطَّلقة ؛ فأزبَدْتُ وأرعدْت ، ونفخْتُ وفرقعْت ، وطرتُ كالممسوسِ ألعنُ الشِّققَ ومُصمِّميها ، وبُناتها ومهندسيها ، فلمَّا هَمَمتُ بالمغادرةِ استوقفوني لأبرِّرَ فعلتي الشَّائنة ، وانفعالاتي البائنة ، فلم أزددْ إلاَّ غضبا ، ولعناً وتعصُّبا ، فتحلَّقوا بي ، وأقسموا عليّ ، أَنْ يعرِفوا السَّبب ، ليُبطلوا العَجَب ، فقلتُ لهم : سأروي لكم قصَّتي ، وسأتلو عليكم مُصيبتي ، ولكنْ أخشَى عليكم الإطالة ، والضَّجرَ والملالة ، فقالوا : هاتِها قلتُ : أما وقد سألتموني عنِ الأمرِ ، فسأخبِركم بأمري :
ذات صباحٍ التقيتُ بصديقي ( .. فُلان .. ) ، وهو وزِيرُ الإسكان ، فرحَّبَ بي وكأنّني القمرُ الطَّالع ، المُنتظَرُ في المطالع ، فَأتقن مقامَ ترحيبِه ، وهزَّ عُودَ تَطْريبه ، ثمَّ فتحَ لي باب السيَّارة ، لأرافقه إلى الوزارة ، فجعلَ طولَ الطريقِ يذكِّرني بِنبوغه في المدرسة ، وتفوُّقِه في الهندسة ، فقطعَ بحرَ الأَوهام ، وشَقَّ أَمواجَ الكلام .. ؛ فكان يتنقَّل بين العَومِ والغَوص ، والتقاط الفصوص ، حتى إنَّه حدَّثني بكلامٍ يُسمِع الصُّمّ ، ويُنطق البُكم ؛ فقال إنَّه اقترحَ مُخطَّطاً للشَّمسِ المُنيرة ، والغَمامة المطيرَة ، فقسَّمهُ وخطَّطه ، وأَودعَ مُخَطَّطه ، فصار مَحسودًا مِن الوُزراء ، ولصيقًا بِالكُبَراء ، يُذكر فيُهاب ، ويَطلبُ فيُجاب ، فلمَّا انتفخَ مِنْ كثرة الكلامِ عنُقُه ، وجَفَّ حَلْقُه ، أَخبرني أنَّه سيُهديني اليومَ شقَّة ، لَم أرَ مثلها جمالاً ورِقَّة .
وقبلَ أنْ يحُطَّ خيالي ، ويهدأَ بالي ، قال : ستوقِّعُ عقدَ بيتك الجديد ، ومحَلِّكَ السَّعيد ، فإنَّها واللهِ شقَّةٌ كبيرة ، ومحاسنُها كثيرة ، لا يُدانيها جمال ، ولا يصفُها خيال ؛ ولكنْ كيف أُحدِّثُك عنها ، وأتلو مفاتنَها .. ، وأَنا لم أُخبرْكَ عن العِمارةِ المصونة ، والدرَّةِ المكنونة .. ، التي بِها شقّتُك ، بيتُك وجنّتُك !؟ :
فالعمارةُ ـ أسعدكَ الله ـ واحدةٌ مُتوحِّدة ، فريدةٌ مُتفرِّدة ، اشتهرَتْ في عالمِ البِناء ، ‘ اشتهارَ البدْرِ في السَّماء ‘ ؛ فهي في الليلِ كالكريستال ، وفي النَّهارِ كالذَّهبِ المُسال ؛ لا تقارِنُها بِنَصْبٍ إلاَّ غلبَتْه ، ولا يُقارعُها صَرْحٌ إلاَّ بزَّتْه ، فإن قلتَ بُرجاً أقول أجمل ، وإن قُلتَ تُحفةً أقول أكمل ، مِن تحتها يجري النَّهر ، وأمامها يتألَّقُ البحر ؛ فهي مِن المعمارِ ، كالحسُّونِ في الأطيار .. ؛ لا تترُكُ فيك عِرْقاً إلاَّ حرَّكتْه ، ولا حِسًّا إلاَّ هزَّتْه ، يَلُفُّها أَجملُ ميدان ، وهو بِالورودِ والتَّماثيلِ مُزدان .. ؛ فترَى السِّيَّاحَ يقيسون طُولَه ، والعشَّاقَ يَطوفونَ حوله ، فلا هذا تتوقَّفُ خُطُواتُه ، ولا ذاك تشبعُ نظراتُه ، وإنَّك واللهِ لو وقفتَ أمامَها شهرا ، لزَمكَ وصفُها دَهرا .
فلما انتهينا إِلى مقرِّ وزارتِه ، ونزلنا مِن سيَّارته ، ‘ هَندمَ ‘ نفسه ، وقطعَ وصفَه ؛ فقفلَ بِشفتيهِ بابَ العِبارة ، وتوقَّفَ وصفُ العِمارة ، ففرِحْتُ بِالوصول الذي أَصمتَه ، وحمدتُ اللهَ الذي أسكتَه .
غير أَنَّ اللهَ غالب ، والمُقدَّرُ لا يُغالب ، فلم يكد يصلُ إلى عمارتِه ، ويدخلُ مقرَّ وزارته ، حتى قالَ مَزهوّاً بِمبناه ، مُشيراً بِيُمناه : ، باللهِ من بناها ؟ بناها واللهِ الرُّوميُّونَ منذ سنين ! ، فأَنشئُوها تخطِفُ العيون ؛ فهِي وحيدَةُ زمانِها ، وفرِيدَةُ أَوانِها ، تجثُمُ على الأَرضِ جَثْما ، وتبدو في السَّماءِ علما ، فجاءت سقوفُها بعيدة ، ونوافذُها عديدة .. ، تُبصِرُ مِن خلالها الأَمواجَ الصَّافية ، والنَّوارِسَ الطَّافية ، ولأنني ـ وقانِي اللهُ العيونَ ـ أَهوَى الطَّارِفَ الحديث ، والتَّالِدَ المَوروث .. ، فقد أبقَيتُ على آياتِها الْعَتيقة ، وأماراتِها الأنيقة ؛ فحافظْتُ على تفلُّقِ أبوابِها ، وتشقُّقِ أعتابِها ، فما استبدلْتُ قناطِرَها ، ولا رمَّمتُ نَحِيتها ومناظرها ، ذلك أنَّ قيمةَ الجديدِ في فنِّه ، والعتيِقِ بطول ركنِه .. ،
فكان يسترسلُ في مقالتِه ، ولا يجرُؤ أحدٌ على مقاطعتِه ؛ فينفِرُ بجيشِ الكلام ، ويفتحُ حصونَ الأوهام ، حتى بلغَ مقصده ، وأوقفَ مِصعدَه ؛ فإذا نحن أمام مكتبٍ فاخر ، تزخرُ حيطانُه بِالمناظر ، فلما دخلنا إِلى قاعتِه ، وقعدنا على أريكتِه ، قلتُ في نفسي ربما سيسكتْ ، أو قد يتعبُ فيصمت ، فمالِي أنا بعمارةِ الطليان ، وبحضارةِ الرُّومان ، فلا أرجو إلاّ أنْ أُوقِّعَ عقدي ، وأُخلي سريعاً مِقعدي ، فأَعودُ إلى أهلي غانما ، فائزاً سالما .
وبيْنا كنت أُحدِّثُ نفسي بفضلِ السُّكوت ، والصُّموت ، قالَ لي الوزيرُ بِرِقَّة : ، الآن ستوقِّعُ عقدَ الشّقَّة ، ستُعدُّهُ السِّكرتيرة ، التي لها في قلبي مكانةٌ كبيرة ؛ فسَلْني بِاللهِ عنها ، وعن جمالها ومعدنها ! ؛ فكأنَّها خُلِقتْ مِن ماءِ النَّهر ، أو مِن زَبَد البحر ، بَل هي تفوقُ ‘ فِينُوسْ ‘ جمالا ، و ‘ جُونُو ‘ كمالا ؛ فهي البساتينُ الرَّائقة ، والتُّحفةُ الفائقة ، تنافسُ
ـــــــــــــ
دَع عنك العمل الذي يمكن أن ينجزه غيرك ، وأمضِ إلى حيث تجد نفسَك ، بين النيران وفوقَ الأجراف ، تؤدِّي ما يُمكنك أن تؤدِّيَه ويعجزُ الآخرون عن تأديته ! .
* *
لقد أُرهِقْتَ أيَّها القائد .. ؛
.. أربعونَ عاماً من الصُّداع ، والآلام ، والضَّغط . أربعونَ عاماً حَرْقُ أعصابٍ ودمٍ وسُكَّر ، نَفْخٌ في عالمٍ مثقوب ! ، نفخٌ في أمَّةٍ مَثقوبة ! ، نفخٌ في حركاتِ تحرُّرٍ مَثقوبة .. ؛ كانت الثقوبُ كثيرةً أيَّها القائد ! .
لا أحد يُفلِح ، لا شيء يفلح . مشوارٌ طويلٌ خُضْتَه وخُضناه معك بكلِّ الحبِّ ، بكلِّ الصدق ، والصَّبر ، والحَماسة ؛ نقولُ ما تقول ونفعلُ ما تفعل ، نفرحُ إذا فرِحتَ ونتألمُ إذا تألمت ، نهنئُ أنفسَنا ونعزِّي بعضنا بحسبِ ما تقابله أو يعترضك .
مشوارٌ طويلٌ خُضْتَه أيها القائد ؛ أربعونَ عاماً من العملِ الدَءُوب ، بلا راحة ، ولا استجمام ، ولا إجازات ، .. مَرَّ بك صادقون ومُخادِعون ، بسطاءٌ بالكادِ ينطقون ، وصَدّاحونَ مُنافقون مُغرِّرُون .. ، ما أكثرَ المفكِّرين والأدباءَ والفنانين ! ، وجوهٌ كثيرة ، صافحتك وجالسَتك وتقاسمَتْ معك قهوةَ المساءِ والشايَ واللُّقمَ الشعبيةَ ـ التي طالما أحببتَها ـ فترضَى وتحتار ، وتُسْعَدُ وتَحزن ، وغالباً لا شيء يَسُرُّ في هذا العالم .. ، لا شيء يَسُرّ .
الليبيون بألوانِهِم بُسَطاء ، يفرحون كالأطفال ويحزنون كالأطفال ، صادقون ، واضِحون ، وربَّما دراويش ؛ قَنِعوا أو دُفعوا أو دُرِّبوا على أنْ يعيشوا بساطتَهم ، خلفَ نُخْبَةٍ ممتازة .. ، نخبةٌ ـ أكثرهم ـ من ذوي الأقنعة ، الذين هُم مَعك ، ومع من هو ضِدّك ، ومع من هو ليس معك وليس ضدك .
أربعونَ عاماً ، والشعبُ ينتفخُ خوفاً وقلقاً ومرضاً وحاجة ، ونُوَّابُك وعامِلُوكَ يُعلنون أنَّه يسمنُ من كثرةِ الراحةِ والدِّعَة والخمول .. ، كانوا يكذبون مِلْءَ أقلامِهم وأحبارِهم وأوراقِهم ، مِلْءَ تقاريرهِم التي لا تنقطع ، وكأنَّ الناسَ ـ وليس هُم ـ المُخادِعون ، تنابلةُ السلطان .
إذا كان يحقُّ لمواطن بسيط أن يُشفق على قائدٍ حَمَل على كتفيه هموما ثقيلةً كبيرةً كثيرة ، فأنا أشفقُ عليك .. ؛ أربعونَ عاما ، لم أرَ حولَك غيرَ حَوَاريِّين ـ أكثرهم ـ هَتَّافين صَارخين ؛ .. كانوا أشبهَ بشعبِ روما الصَّارخِ على مُدرَّجات الكُولُسْيُوم ، الذي لا يهمُّه من ينتصر ، أو يُؤكل .. ؛
أصواتٌ مُضَخَّمة ، دونَ ذكاءٍ أو رؤيةٍ أو حتَّى نيةِ الكلام ! ؛ .
.. مَسئُولون ، يُكرِّرَونَ أيامَهم .. ،
.. يقولونَ ما لا يستطيعون .. ،
.. ويَخْشَونَ النقدَ بأكثرَ مِمَّا يَخشونَ الفَسَاد ! .
* *
إنني أشفقُ عليك ، لست أنافقُ ولا أجاملُ ولا أخادع ، لست كلَّ هذا ولا بعضَه ، أنا فقط أشفق عليك من أفكارِنا المتواضعة وعقلِنا البسيط ، مِن الرَّاقدين الدائخين الميِّتين ، ومن إداراتِنا التَّعِبة ومديريها غير المُنتمين إلى إداراتِهم ولا إلى عِلمِ الإدارة ، ولا إلى أي عِلم ، ولا إلى أيِّ شيء ! .
أشفقُ عليك ، لأنك تعبتَ كثيرا ، وأُرهقت كثيرا ، وواصلتَ الليلَ بالنهار ، قاومتَ الإعياءَ كثيرا ، وربما مَرِضتَ كثيرا ، دون أن تتوقف ، دون أن تسقطَ على ركبتيك ، دون أن تدمعَ عيناك ، من طولِ ما كابدتَ وتحمَّلتَ وصَبِرت .
أخذَتكَ همومُ العالم ، حاولتَ أن تفعلَ الكثير ، ضدَّ الوحشِ العالمي الهائل ، الذي يلتهمُ الناسَ بأجسادِهم وأحلامِهم ليواصلَ طريقَه إلى فوقُ ، إلى أبعدِ فوق ؛ ليفتشَ عن اللهِ في سَماواتِه ، ولينافسَه عليها ! .
همومٌ كثيرةٌ أخذتك ، أفريقيا ، آسيا ، أمريكا ، تقتيلٌ ومجاعاتٌ وأمراض .. ، همومٌ جعلتك تعهدُ بليبيا لأشخاصٍ ليرتقوا بها فما ارتقوا بها ، ليصونوها فما صانوها ؛ ليعلوا اسمَها بين الدولِ فما أعلوه ، أضاعوا الزِّراعةَ والصِّناعةَ والتعليمَ والصِّحَّة ، وخرَّبوا الأموال ؛
.. ينفقون حين يجب أن يُمسِكوا ويُمسكون حين يجب أن يُنفقوا ! .. ؛ أُمِّيةٌ في إنفاقهم ، أُمِّيةٌ في مَسْكِهم ، وحتى في قراءَتِهم لعيونِ الليبيين ودموعِهم وآلامِهم ؛
.. كانوا لا يُنفقون إلاَّ على أنفسهم ، دون توقّف ، أو قناعة ، أو اكتفاء ، أو خجل ، لأنه لا وقت لديهم للتوقّفِ أو القناعةِ أو الاكتفاءِ أو الخَجل .
هؤلاء ، سرقوا السلطةَ من الناس ، سلبوهم حريتهم باسمِ الترشيدِ والتوجيهاتِ والتعليمات ، أخافوا الناس ، واختاروا للناسِ أشخاصاً ليسوا منهم ، ولم يختاروهم ، وربَّما لم يروهم مِن قَبل .
وبينما كنتَ ، أيها القائد ، تناضلُ خارجَ ليبيا ـ تُغالبُ الأيامَ والسنين ـ عَبَثَ العابثون بليبيا ، سرقوها ، مزَّقوها ، رقَّدوا أهلَها غصباً وقَسرا :
ـ : أصمتْ ! هذا مُرشَّدٌ به .. ؛
ـ : تراجعْ ! هذا ثوريٌّ مَعدود .. ؛
ـ : أفسحْ الطريق ! هذا جِيْءَ به لينتشلكم من قاعِكم .. ؛
.. رأينا الكثيرَ أيَّها القائد ، أشخاصٌ كثيرون أرهبوا الشعب ، هدَّدوه ، استغلوه ، وسَخِروا منه ، ثم ساقوه وسرقوه وس
رد على بيان جهاز الأمن الخارجي بدعوة " المغرر بهم " بالعودة إلى البلاد
السيد / أمين الجهاز ؛ أنا أؤمن برحابة صدر معمر القذافي ، وقدرته على التفهُّمِ ، والتبصُّر ، والإصغاءِ للرأي الآخر .
لذلك ، أقول لك : ـ لا أحد مُغرَّر به ! .. ؛ هؤلاء بعضُ الوطن ، شتَّتهم واقع .. ، وسيعيدُهم واقعٌ ، يملؤهُ الحُبُّ والشوقُ والإلهام .. ؛
ــــــــــــ
لم يوفَّق جهازُ الأمنِ الخارجي ، في إعداد وصياغة بيانٍ بالغ الحساسية ، وفي نشره بهذا الشكل المفتقر لكل شيء .. ؛ فجاء بلا روحٍ ، ولا حسٍّ ، ولا أمل ، بل ولم يُظهِرْ في سطوره ، أو بينها ، أيَّ نيةٍ صالحة أو طيبة أو حتى واضحة ؛
فالبيان جاء وكأنه يقول : ـ ابقوا حيث أنتم ! ، لا تعودوا إلى الوطن ! ، فأنتم خونة ، أغبياء ، سذَّج ، لا قيمةَ لكم ولا فكرا ، ولا علما ، ولا عقلا مستقلا يُعَوَّل عليه في بناء الوطن ، الذي يفترض أنه بحاجة إلى كل عقلٍ وخبرة وساعد .
أيها السيد الفاضل ؛ مرَّ الوطنُ بفترات تحوُّل ، ثقيلة ، صعبة ، حملت ما حملت من انكماش وضغط وضيق ، ربما كانت مرحلة لا بد منها ، ولكن لم تكن بأي حال تلزم أحدا على تحمُّلِها أو خَوضِها أو التفاعلِ معها ، فتحمَّلها من تحملها ، وابتعد عنها من رأي أنَّ هذا الثقل سيرهقه ، ولن يستطيع جسدُه وفكرُه وقلبُه ، تحمّله .. ؛
فأصاب من قعد ، ولم يخطئْ من رحل .
معمر خاض وقاد مرحلة دقيقة وحساسة من عمر الوطن ، غرس ما غرس من أفكار ، ومبادئ ، ونهضة ، وإعمار ؛
تماما كمن يغرسُ الأشجار ؛ فهذه تنمو وتثمر وتلك تذبل وتتعثر .. ، أما المسئولية عن عدم إثمار ما لم يُثمر ، فقد تكونُ على الغارس ، أو قد تقعُ على الطقس ، أو التربة ، أو الشتلة ، أو الساقي ؛
ولنحدد مَن المسئول عن الإخفاق يجب أن نحتكم إلى العقل والعلم والمعرفة ، أن نحلل ، ونشخِّص ، ونستقرأ ، ونستنبط ، وأن ندركَ ما يُعالج منها ، وأن نُسَخِّرَ كل طاقاتنا وأفكارنا وعقولنا ، لنعالجه ونطببه ، وليس لنقلِّبَه بين أيدينا ، ونتحدثَ عنه .
إن الذين غادروا الوطن ، معترضين على نظام الحكم ، أو على تنظيم إدارات الدولة أو سياستها الداخلية أو الخارجية ، أو أي شيءٍ آخر ، لا يمكن أن نحملهم ـ وحدهم ـ نتيجة ابتعادهم ، فهم كذاك الغارس ؛ قد يحمل مسئوليته وحده ، وقد تقع علي غيره ، من عناصر لصيقة ، أو دافعة ، أو فاعلة ، أو مؤثرة .
إنهم أبناؤنا ، فمن يجرؤ على إقصائهم ، أو إبعادهم ، أو نبذهم ، وهم يملكون من الوطن بقدر ما نملك ، دون نقص أو زيادة أو مفاصلة !؟ ؛
أن نقولَ لهم : ـ عودوا أيها المُغَرَّرُ بكم ، أيها المُضَلَّلون ! فهذه ليست دعوة المُحب ، الخاطب ، المتودِّد ، المشتري .. ، ليست دعوة من يتقدم ، فاردًا ذراعيه شوقا ، وحبا ، لحَضْنِ وتقبيل من يحب .
أنْ نقولَ لهم : ـ عودوا أيها المُغَرَّرُ بكم ، أيها المُضلَّلون ! ، فإننا ما زلنا نَسْخر منهم ، ونعاديهم ، ونعيرهم ، إننا الآن كمن يقول لأحد : ـ تعال أيها القبيح الجاهل الأبله المخدوع ، لأتخذك خليلا ، أو حبيبا أو صديقا أو شريكا ! .. ، أو كمن يقول لمن لا يريده : ـ تعال وأعلن أمامي أنك كنت قبيحاً وجاهلاً وأبلهَ و مخدوعا ! .
تعال إلَيَّ بهذه الأوصاف ، حتى أرضى عليك ، وأجالسك ، وأقبلك ، وأتقبّلك !
إذا استندتم على كلام صدر عن معمر القذافي ، فمعمر لم يقل شيئا كهذا أبدا ، ومبادراته السابقة معلنة ، واضحة ، يتقدمها الحب والصَّفح والسلام ! .. ، وحتى إذا قاله بحرفه ولفظه فإنه ، حتما ، لا يعنيه بمقصده ، ومضمونه ، وجوهره ؛
الجميع يعلم إن معمر لديه لحظات من الغضب تنتزع كل شيء من مكانه ، تُغرق وتكسِّر ، وتحطِّم ، وتقلب كل شيء .. ، إنه واحد من أشهر الغاضبين في التاريخ ؛
وما أندرَ الغضبات في التاريخ المعاصر ! ..
أيها السادة ؛ لنقدِّمَ الحبَّ لأبنائنا ، .. لنقل لهم : ـ تعالوا . نحن نحبكم ، نحن في حاجة إليكم .. ، نحتاج رؤياكم ، مُسامرتكم ، مُنادمتكم ، لأنكم جزءٌ منا ، جزءٌ ثمين ونفيس وغالٍ ، من حياتِنا ، وذاكرتنا ، وقلبنا ، وأحلامِنا .. ،
" إن جهاز الأمن الخارجي … يدعو كل من أنضجته الأيام والتجارب وعاد إلى
تعقيب على حديث د. صالح إبراهيم / المدير العام لأكاديمية الدراسات العليا بليبيا ، بشأن الوضع السياسي والأمني والحقوقي في ليبيا .
إنَّ المبالغة في وصف الحرية والديمقراطية
تقودُ إلى المبالغة في الحــذرِ والارتياب .
* *
كلام مُربك ، مُقلق ، مؤخِّر !
ـــــــــــ
تجدر التفرقة بين د. صالح إبراهيم ، العضو البارز بحركة اللجان الثورية ، وبين د. صالح إبراهيم ، المدير العام لأكاديمية الدراسات العليا بليبيا ؛
ولأن التصريح الذي ورد في موقع " جيل " عن " وكالة قدس برس " بتاريخ 18 / 12 / 2009 ، ومواقع أخرى ، أطلقه د. صالح إبراهيم بصفته الأكاديمية ، فإن الأمر يستحق وقفةً ويتطلب ردّا ، لخروجه عن نطاق الرأي الشخصيّ الذي غالبا ما تمليه ذهنية القائل .. ،
.. فنحن ـ الآن ـ أمام شخصية عامة ، يحقُّ تناولُ تصريحاتِها بالنقد أو الإشادة .
* *
وفي هذا الصدد أقول للسيد د. صالح إبراهيم ؛ إنَّ قولَك : " ليبيا بعد أن رفع الحصار عنها أصبحت أكبر دولة ديمقراطية في العالم " ، هو كلامٌ تشجيعي ، عاطفيّ ، شوقٌ وأماني وآمال ، وهو بعد كل هذا ، كلامٌ مبالغٌ فيه .. جدا ؛
جميل لو قلتَ إنَّ ليبيا بدأت تخطو نحو الديمقراطية ، وبدأت تنتج أفكارا أكثرَ وضوحا ونضجا ، في سبيل إصلاح مؤسسات الدولة .. ،
.. في سبيل إعلاء الديمقراطية كخيار جماهيري لتحريك ماكينة الدولة .
جميل لو قلت إن ليبيا اليوم تنفتح ، وبجرأة ، نحو الديمقراطية ، وإن هذا المسير تدعمه القوَى الفتية في الداخل والخارج ، وفي مقدمتِها الأخُ سيفُ الإسلام القذافي ، والإصلاحيون الديمقراطيون ، … هنا وهناك .
جميل أن تقول كل هذا أو بعضه ، حتى يحسّ الجميع أن ليبيا تسير ، فعلا ، نحو ما تسعى إليه ، وحتى يمدّ الجميعُ أيديهم لدعم ودفع ومباركة هذه الجهود .
أما أن تقولَ " ليبيا .. أصبحت أكبر دولة ديمقراطية في العالم " فقد قطعتَ طريق الدعم والدفع والمباركة .. ، فهنا ليبيا أنجزت كلَّ شيء ، فلا يوجد داعٍ لأي دعمٍ أو جهد ، ولا يوجد داعٍ لبرنامج الأخ سيف الإسلام في توريد الديمقراطية إلى ليبيا ؛
.. ففي هذا التصريح إعلان عن انتهاء برنامج الديمقراطية ؛ فالديمقراطية هنا أنجزت وتحققت ، ونعيشُها دون أن ندري ، ودون أن يُعلِمنا أحدٌ بأننا الآن نعيشها .
.. هذا قول يَضر بأكثرَ مما يسرّ أو ينفع ويُثمر !
إنَّ غرسَ شجرة صغيرة يتطلب أعواما كثيرة ورعاية لا تنقطع حتى تنمو وتثمرَ فما بالك بغرس ( الديمقراطية ) ، إنها شجرةٌ عظيمة تحتاجُ الوقتَ والجهدَ والصبر .. ؛ فليس بجرَّةِ قلم تنمو الديمقراطية وتمدّ عروقها وفروعها .
إن الأرض العربية ، بأسرها ، أرض غريبة على الديمقراطية ، فالتربة العربية ليست التربة الأصلية لنمو الديمقراطية ، ونقل شتلةِ ( الديمقراطية ) إليها يتطلب علماً وفناً ورعايةً وجهدا وصبرا ، كما يتطلب الكثير من الحُب والتضامن ، والقدرة ـ لاحقا ـ على تقبُّل طعمها .
أخي د. صالح ؛ نحن غيرُ مستعجلين .. ؛ فليس عليك ، إذن ، أن توصلنا إلى نهاية الطريق ونحن بالكاد بدأنا .. ؛
.. فاللهبُ الشديد يحرق الرغيف ولا يُنضجه !
والحقيقة ، نحن نريد أكلَ رغيفِنا مستويا ناضجا ، ولا نعبأ بالانتظار ، فليأخذ الرغيفُ وقتَه وإنَّا بجوارِه قاعدون !
.. إننا أشبهُ بزهرة دوَّار الشمس ؛ نستدير ، دون كللٍ أو ملل ، نحو رغيفِنا أينما اتجه ! .
فالليبيون ـ سواء في الداخل أو الخارج ـ ليسوا محتاجين لسماع أنَّ ليبيا هي أم الديمقراطية ، بقدر ما يحتاجون إلى رؤية هذا الزَّخَم الجميل والحراك الرائع الذي بدأت ليبيا تنتجه ، وقد سبقت الكثير من البلدان العربية ! .. ؛
شيءٌ رائع !! ؛
.. لقد فاق هذا الزخم والحراك ، توقعات أشقائنا العرب ونظرتهم التشاؤمية لواقعنا الليبي .
إن قولك " ليبيا .. أصبحت أكبر دولة ديمقراطية في العالم " يعني أننا الآن في ذروة مقياس الديمقراطية ولا مكان لأن نتقدمَ أكثر في ذلك ، أو كأنَّ لسانَ الحال يقول : ليس لدينا ما ( نُمَقرِطُكُم ) به أكثر من هذا ! .
* *
إننا نحب ليبيا بديمقراطية أو بدونها !
.. بحرية أو بدونها !
.. بإصلاح أو بدونه !
.. بكل شيء أو بدون أي شيء ! .. ؛ لذلك ، لن تفقد ليبيا أحدا من تُرُوسِها سواء حلَّت الديمقراطية اليومَ أو غداً أو حتى لم تحل إلى الأبد .
فقط نريد أن نكونَ واقعيين ، مُتعاملين مع واقعنا كما نراه ويراه غيرنا ، رؤية العين ، وليس بواسطة الاستشعار عن بُعد ! .
أخي الدكتور ؛ ليس بخط قلم ، نقول : لقد تحققت الديمقراطية ونضجت واكتملت ، بل وأصبحنا رقم ( 1 ) في سُلَّم ترتيبها العالمي ! ؛ هذا يفوق أقصى درجات التفاؤل ! ، يتخطى أمنيات المتمنين وأحلام الحالمين ، ليس في ليبيا فحسب بل وحتى في الدولة التي ( اخترعت ) الديمقراطية .
إن أكثر ما يمكن أن يشدَّ الإنسان في فكر سيف الإسلام القذافي هو الواقعية ، فلم يَدَّعِ يوما أنه حلَّ جميعَ المشاكل أو أنه سيحلها بضربة عصا استثنائية أو أنه هو ( بُوها وكَيَّالْها ) الذي يُصلِح كلَّ شيء بمفرده ودون حاجة إلى أحد ! ، إنه لم يقف يوما ليقول : ( أيها الليبيون ؛ انتهت جميعُ مشاكلكم ! ) بل على العكس استعان بكل ذي بصيرة وفهم .. ؛
.. فتسلَّحَ بالمُفيدين ممن هم داخل البلاد وخارجها ،
.. بأنصار ليبيا الكلاسيكية ومُناهضيها ،
.. بالـ ( نَعَميين ) والـ ( لائيين ) ؛ فجالسوه ، وحاوروه ، وخَبِرُوه ، فلما اطمَأنّوا إلى فِكرِه قدَّموا له الدعم وسهلوا له جمعَ الرَّسِيلَين من أجل ليبيا ومن أجل الديمقراطية التي هي قولٌ وفهمٌ ونيّةٌ وفعل .
.. فالـ ( نعميون ) والـ ( لائيون ) أصبحوا اليوم يدفعون عجلة الديمقراطية ، يدا بيد ، وكتفا بكتف .. وجميعهم يرون أننا الآن في ( ألف ) ( باء ) ( تاء ) ( ثاء ) ( جيم ) الديمقراطية ، والمشوار
يا إلَهي ! .. ما أتعسَ الشعبَ الذي لا يحبُه حاكمُه !! .
أيُّها الحاكمُ العظيم ؛
: لو بنيتَ زريبةً كبيرة بدلَ هذا الحوضِ لأحضرنا لك أبقارَنا كلَّها ! .
* *
كان ، يا ما كان ، مَهَراجا يَحكم بلادا ، فيها مليون رَجل .
ــــــــــــ
المَهَراجا ومُستشارُه في قاعة الحُكم :
ـــــــــــــــــــــــ
المَهَراجا : ـ " شعبي يُحبني ! ، يقولون إنني الشمسُ والقمر والمطر ، إنني ميزانُ العدالة .. ، وحارسُ الحرِّيةِ والحقيقة والمساواة .
أظنُّ أنني كذلك ! ؛
فأنا لم أسجنْ بريئا ، ولم أقتلْ عالِما ، أو مفكِّرا ، أو أديبا ! .. ، شَققتُ له الطرُقَ والأقنية ، وكَدَّستُ له الغذاء .
إنني أحبُّ شعبي ، ولكن كيف أتأكد من حُبِّ شعبي لي ؟ . أيها المستشار ؛ ليتك تدلّني على وسيلة أعلم بها عدد الذين يحبونني " .
المُستشار : ـ " جُعلت فِداك ، لا توجدُ مسألةٌ إلا وعندي لها حَلّ ! ؛
آمُرْ ، يا مولاي ، ببناء حَوضٍ عظيم ، يَسع مليونَ لتر ، ثم أطلبْ مِن كل رجلٍ يُحبك أن يسكبَ في الحوض لترا واحداً من الحليب ….،
المَهَراجا ( مُقاطعاً ) : ـ " وماذا يَعني هذا ؟ " .
المُستشار : ـ " نقيسُ كميةَ الحليب ، فنعرف عددَ الرجال الذين يحبونك يا مولاي .. ،
.. ليكنْ امتحانُ الشعبِ ليلاً .. ، وبِلا رقيب ! " .
المَهَراجا : ـ " بورِكت أيها المُستشار ! ،
إنها فكرةٌ عظيمة ، وسأشرع ، منذ الآن ، في بناء الحَوضِ العظيم ؛ …. حوضُ المَحبَّة !! " .
* *
المَهَراجا أمامَ حوضِ المَحبة يتحدث إلى شعبه :
ـــــــــــــــــــــــ
المَهَراجا : ـ " شعبي الحبيب ؛ تعلمون أنني أحبكم مثلما يحب الإنسانُ الطبيعة ، وبأكثرَ مما يُحِبُّ طائرُ البَجَعِ صِغارَه .
أعلم أنَّ الشعبَ يُحبني .. ؛
ولكنني أريد معرفةَ كم شخصٍ يُحبني من شعبي .. ، مَنْ منكم يحبني بلسانِه ، ومَن منكم يُحبني بقلبِه وضميرِه وعطائه .. ،
.. فهل يأذن لي شعبي باختبار مَحَبَّتِه لي ؟! " .
الشعب : ـ " نعم ! ، مَرْحَى ! ، جُعلنا فِداك ! ، أنت أغلَى من أرواحِنا ومن أموالنا وأولادنا ، أنت أغلى عندنا من الماءِ الذي نشربه ، والهواءِ الذي يملأُ رئتينا ! .
فاْختبرنا أيها المَهَراجا .. ، اختبرنا كما تشاء ! " .. ؛
المَهَراجا : ـ " لا أشكُّ أبداً في مَحبتكم ، ولكن اجعلوا قلبي يَطمَئِن .
.. أنتم مليون رَجُل .
.. وهذا حوضٌ يسعُ مليونَ لتر .
فعلى كل رجل يحبني أن يسكبَ فيه لترا واحدا من الحليب ، حتى أعلمَ عدد الذين يحبونني ، .. بعد أن أقيسَ كميةَ الحليبِ المَسكوب .
سيكون ذلك الليلة ؛ لن يراكم أحد ، ولن أسمحَ لأحد بمراقبتكم ، فمَن منكم لا يحبني يستطيع البقاء في بيته ، أو يَخرج بقنينة فارغة ويدَّعِي أنه يسكبُ لبنَها في هذا الحوضِ العظيم ! " .
الشعب : ـ " أيها المَهَراجا العظيم : إننا نحبك أكثرَ مما يُحبُّ التاجرُ مالَه ، والصَّيادُ رؤيةَ شباكِه المُمتلئة .
فأنت مصدرُ خيراتنا . أنت فألُنا الحَسن .. ؛
.. فالورودُ لم تخترعِ الرائحة إلا من أجلك ، والجبلُ لم يُجرِ هذه الأنهارَ إلاَّ لأنك فينا .
إنك مَحبوبٌ يا مولانا ! ،
وَرِعٌ ، ومَحروسٌ .. ؛ حتى إنَّ النارَ لا تحرقُك ، والماءَ لا يبلِّلك ! .
أيها المَهَراجا ؛ ليتك قِست مَحبتنا لك بأرواحنا أو أبنائنا وأموالنا ، أو على الأقل لو بنَيتَ زريبةً كبيرة بدلَ هذا الحوض لأحضرنا لك أبقارَنا جميعَها ، وليس فقط ما طلبته من قطراتِ الحليب ! .
.. إنَّ أرواحَنا وأموالنا وأبقارَنا جميعَها فداءٌ لك أيها الحاكِمُ العظيم ! " .
المَهَراجا : ـ " حَسْبِيَ لترٌ واحدٌ من الحليب ! " .
( يهتف الشعب بحماس ، بعد ذلك يأمرُ المَهَراجا الحُراسَ بالبقاء في منازلهم حتى صباح الغد ، ثم يودِّعُ رعيته ، ويعودُ إلى قصره ) .
* *
أحد المواطنين في منزله يُحدِّث نفسه :
ـــــــــــــــــــــــ
المواطن 1 : ـ " هل يَشكُّ المَهَراجا في حُبِّنا له ؟! .
إنّ العربيّ لا يقبل إلا رأيه ، ولا يرضى بغير صوته ، مهما جاء رأيُه فاسداً ، وصوتُه خافتاً مخنوقاً مسلوبا !
|
|
|
إنّه عقلٌ لا يبحثُ عن الحقيقة ، ولا يسهرُ ويسقطُ من أجلها ، إنما هو يطلبها بخيالِه ، بأوهامِه ، بأمانيهِ البدائية .. ، إنّه لا يريدُ إلا أنْ يَفركَ مِصباح علاءِ الدين ، ليجيئَهُ العفريتُ بالحُلول ! * * ـــــــــــــ العقلُ هو الوعي ، الصَّواب ، الجِهازُ العبقريُّ المُحللُ للأحداث ، القارئُ للأفكارِ والعواطفِ والمشاعر .. ، الباحثُ ، الذي لا يَملُّ البحث ، عن الحقيقة . .. إنّه أضخمُ وأكبرُ وأقدمُ جهازٍ للشكِّ ، والتساؤل ، وللقراءةِ المُبصرة المُحلِّلة للاحتمالات المُواجِهَة .. ، جهازٌ ذاتيُّ التحديث ؛ لا يحتاجُ إلا إلى صورة ، أو صَوت ، أو حَدَث ، حتى تئِنُّ وتُجَعجِعُ تروسُهُ الذهبيةُ العظيمة ! . فالعقلُ هو الجهازُ الأوسعُ قراءةً ، وتحليلاً ، وتفسيرًا ، واستنتاجا .. ، بل والأكبرُ انفتاحًا على الاحتمالاتِ كلِّها ! . .. إنه المُديرُ ، الباحثُ ، القائِس ، الذي يتطوَّرُ كلَّ ثانية ، والذي يَعِي ما يحدثُ ويدورُ " الآن " ! . فهل هذا هو حالُ عقلِنا الليبيّ ؟ ، أليسَ العقلُ الليبيُّ جزءًا من العقل العربيّ مَنزوعًا ، ومقطوعًا ، ومَسلوخًا منه ؟ .. ، أليسَ هو امتدادًا وظلاً لذلك العقلِ المُنغلقِ على الشكِّ والتفكيرِ والمُحاسبةِ والتأمُّل … ، ألم يكن واحدًا من حرّاس العقل العربيّ بكلَّ حسرتِه وفضائحِه وهزائمِه وعاهاتِه ؟ .. بكل صغرِه ، وضآلتِه ، وأعراضِه ، وأمراضِه ؟ ، .. أليس هو أشهرَ حُرَّاسِه ؟ .. ، .. عقلٌ غيرُ مُناضل ، غيرُ مُحارِب .. ؛ لا يشقَى بتفكيرِهِ ولا يُرهَقُ أو يَمرضُ أو يُعاقَب ! .. ؛ : إنَّ العقلَ الليبيّ ، هو مجرّدُ حِوارٍ داخليٍّ مع النفْس ! ؛ .. إنه عقلٌ ظَرْفِيّ ، تقودُه العاطفةُ البدائية .. ؛ عقلٌ لا يمتدُّ فرحُه أو استنكارُه أو غضبُه إلا ساعةً ، ثمَّ يَخبُو وكأنه لم يَفرَحْ ، أو يَستنكِرْ ، أو يَغضب . * * فهل يوجد شيءٌ يميّزُ عقلَنا الليبيّ عن العقلِ العربيّ ؟ . .. هل عقلُنا أكثرُ إشراقاً ، أو سُطوعاً ، أو ألَقا ؟ .. ، أكثرُ ذكاءً ونبلاً وتقوَى واستعدادًا للمواجهة ؟ .. هل هو عقلٌ منفتحٌ على الآخَر ، متفاعلٌ معه ؟ . أم إنه لا يختلفُ عن العقلِ العربيّ ، .. الذي لا يتقدّمُ إلا مُدْبِراً ، ولا يستعدُّ إلا للسقوطِ والهزيمةِ والتخلُّف ، .. ، حتى وإن قدَّمَها ـ إلى نفسِه ـ بصيغةِ النهوضِ والانتصار والرُّقِيّ !؟ .. ، أليس العقلُ العربيُّ هو المتسلِّطُ الأولُ على اللغةِ العربية ، المنتهِكُ لدلالاتِها ومَعانيها ؟ . .. ألم يكنْ العقلُ العربيُّ ، هو العقلَ الوحيد الذي يُسَخِّرُ اللغةَ لتجميل هزائمِه ، كلَّما سقطَ مَصروعاً مَقذوفاً مُنْكَباً على وجهِه ! ؟ .. أليس هو وحدُه ـ بين كلِّ العقول ـ الذي يتغنَّى بانكساراتِه وسقطاتِه وهزائمِه ، معبِّرًا عنها بصيغة الصلابةِ والارتقاء والانتصارات !؟ . أليست اللغةُ العربية هي ـ وحدُها ـ التي تقلبُ الهزائمَ المَريرة إلى انتصاراتٍ باهرة ؟ .. ، فأينَ هو ( العقلُ ) من لغتِنا العربية ؟ ؛ إنَّ مِن أشهرِ معانيه : القَيد ! والتقييد ! والإمساك ! .. ؛ وهذا ـ بالضَّبْط ـ ما خَصَّ به العقلُ العربيُّ نفسَه ! ، وقد لمسَ ما فيه مِن شَدٍّ للحريةِ والقفزِ والانطلاق ؛ .. هذا ـ وحدُه ـ ما اختُصَّ به ، مَهما قالَ واعترضَ واستماتَ المُدافعونَ عن العقلِ العربيّ ، مِن سياسيين ، ولُغَويين . .. أليس هذا هو واقعنا ، الذي نراه ونعيشه وننامه ونصبِحُ عليه ؟ ألسنا أبناءَ لهذا الواقع ، عبيدًا وإماءً له ؟ ، ألسنا أكثرَ العارفين لما نحن فيه وعليه ؟ .. ؛ وهل يستطيع اللُّغويُّ أو السياسيّ أن يدَّعِي غير هذا ؟ ، هل يستطيع أنْ يُظهِرَ لنا نفسَه بأكبرَ من هذا أو أعمقَ أو أعلم .. ، هل يجرؤُ على قولِ هذا ؟ . إنَّ قولَنا الشهير : " اتفقنا على ألاَّ نتفق " ، هو ترجمةٌ صادقة ، أمينة ، عارية ، لقولنا : إننا لا نفكِّرُ إلا في الأمرِ الذي يُريحُنا مِنَ التفكير .. ، وقد جاء بصيغةٍ مُحَسَّنة ! . .. فما أبعدَ الشقّة بين الواقعِ وصورتِه كما يريدها العربيُّ ، أو يُحبُّها ، أو يطلبُها ! . * * ولكن ، ما هيَ حقيقةُ العقلِ العربيّ ؟ . إنَّ أكبرَ مصائبِ العقلِ العربيّ النائمِ المتخلّفِ المتأخِّر ، هو اقتناعُه بأنَّه غيرُ نائمٍ ، أو متخلفٍ ، أو متأخر !؟ .. ، فكيف هو ، إذَنْ ، نَبْعُ العقلِ الليبيّ ؟ .. كيف هو العقلُ العربيُّ الذي جاءَ غذاءً لعقلِنا ، وجئنا نسخةً أمينةً عنه ، صافيةً .. ، غيرَ مَخلوطةٍ بشيء ! . إن العقلَ العربيّ هو أكثرُ العقولِ كُرهاً وعداوةً للتحضُّرِ والمَعارفِ والعلوم .. ، بل هو العقلُ الوحيدُ الذي يمقتُ كلَّ هذا ، ويَرتابُ فيه ! ؛ |









